المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كيفية الوصول إلى درجة المتقين والصديقين (1)


عدنان الميالي
02-08-2008, 02:52 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

مقتبس من كلام المرجع الديني الاعلى اية الله العظمى السيد محمود الحسني(دام ظله)

كيفية الوصول إلى درجة المتقين والصديقين (1)

ان اقـتطاف ثـمار الصلاة ومعطياتـها والاستفادة من ذلك والدوام عليه ، يحصل اذا تحقـق ، قبول الصلاة فالصلاة المقبولة هي التي تربي الإنسان وتجعله عنصراً فعّالاً مفيداً رسالياً في مجتمعه ، وكذلك تربيه روحياً وأخلاقياً فيسير في خط التكامل حتى الوصول إلى درجة المتقين والصديقين والقبول المطلوب في الصلاة في هذا المقام ، يتحقق إذا توفر قسمان من الإقبال :

الأول :
الإقبال على الله تعالى :
وهو الشعور بالحضور بين يدي الله تعالى ومناجاته .
الثاني :
الإقبال على الصلاة :

وهو تفهم الصلاة بمحتواها ومعطياتها ولا يخفى أن طبيعة الصلاة نوع من الحضور بين يدي الله تعالى وأن محتواها يتضمن شيء من الدعاء والتكلم مع الله تعالى ، ولكن طبيعة الصلاة الغلبة ( كما ذكرنا في الجزء السابق ) هي تقرير وتذكير النفس بالحقائق أمام الذات المقدسة، فإذا جعل المصلي صلاته خطاباً لله وتكلماً ومناجاةً ودعاءاً معه تعالى ، وأغفل ناحية تقرير الحقائق على نفسه فقد قلل من عطائها ، وكذلك العكس . والصحيح التركيز على الجانبين ، جانب الحضور والمثول بين يدي الله تعالى والشعور به عز وجل ، وجانب تربية النفس بذكر حقائق الصلاة أمامها . فالواجب على كل مصلي أن يـُمارس أفعال الصلاة وتلاواتها بوعي وترسل بحيث يتركها تؤثر أثرها على عقله وشعوره ، وتعطي ثـمارها الخاصة والعامة الشخصية والاجتماعية ، ويساعد على تحقيق ذلك عدة أمور تختلف من شخص إلى آخر ومن حالة إلى أُخرى نذكر منها ما فيه الفائدة العامة ، ونترك التفصيل والتعمق وانتخاب الوسائل المتبعة ، للمكلف فهو على نفسه بصيرة ومن تلك الأمور :

الأول :

الإيمان :

ينبغي على كل إنسان الإيمان والمعرفة اليقينية بالله تعالى ، ومعرفة صفاته كجلاله وعظمته وكونه عالماً بالظاهر والباطن فالهروب وعدم الإقبال على الصلاة يدل على عدم الإيمان وعدم التيقن .


الثاني :

فراغ القلب وخلوه من مشاغل الدنيا :

أشرنا إلى أن الغفلة عن الصلاة وعدم حضور القلب لا سبب له إلا الخواطر الشاغلة ، وعلاج الغفلة برفع الخواطر الشاغلة ، ورفع الاخيرة يتحقق برفع أسبابها ، اما توارد الخواطر فهو لسببين أشرنا إليهما سابقاً وهما :
1 - السبب الخارجي : ما ينتقل إلى النفس من الخارج عن طريق الحواس ، فما يظهر للبصر أو يقرع السمع ، غالباً ما يلهي الإنسان ويشغل قلبه وفكره فيكون الأبصار والاستماع سبب الخواطر وانشغال القلب والفكر .
ولعلاج ذلك علينا قطع الأسباب المولدة للخواطر الشاغلة بأن يغض البصر أو الصلاة في بيت مظلم ، أو الاقتراب من جدار عند صلاته حتى تضيق وتقل مسافة نظره ، وأن لا يصلي في الشوارع والأماكن العامة ، ولا في المواضع المنقوشة ، ولا في الأماكن العامة للجلوس والحديث ولا بأس أن يصلي وهو مُعَصب العيينين أو في غرفة صغيرة معزولة ومظلمة لجمع العزيمة وتعميقها .

2- السبب الباطني : ما يدور في ذهن المصلي من أفكار مادية دنيوية، فمن تفرقت همومه وتشتت أنظاره في أودية الدنيا لم ينحصر فكره بل يصبح مضطرباً يطير من جانب إلى آخر ، ومثل هذا الإنسان غض البصر لا يكفيه كعلاج لغفلته وغياب قلبه .
وعلاج ذلك أَن يرد نفسه قهراً إلى ما يقرأ ، ويشغلها بـما يقرأ عن غيرة ، ويـُعنيه على ذلك أن يستعد قبل بدء الصلاة بأن يجدد على نفسه ويُلزمها ذكر الآخرة وعظم المقام بين يدي الله تعالى ويستحضر العقبات والأهوال التي ستواجهه عند الموت وفي البرزخ وفي الآخرة وعليه أن يجتهد من أجل تفريغ القلب عن مشاغل الدنيا وإذا لم ينفعه ذلك عليه بردع وقمع الأفكار الشاغلة له (مثلاً ) أَن ينظر في الامور الصارمة والشاغلة له والتي تـعود إلى شهواته وليعاقب نفسه بالإبتعاد عن تلك الشهوات وقطع تلك العوائق أو يعاقب نفسه بزيادة النوافل أو بالصيام فيما لو انشغل فكره وقلبه بتلك الأُمور وغفل عن الصلاة أو عن بعض أجزائها ومما يساعد في العلاج استحضار ما ورد عن الشارع المقدس في ذم حب الدنيا .

الثالـث :

تربيه النفس على التركيز و الجـدية

إن الإنتباه والتركيز على أفـعالنا اليومية تختلف من شخص لآخر ، ويعتمد على الحالة الفكرية والنفسية للشخص ، فبعض الأشخاص يمارس أعماله بقدر قليل من التركيز بسبب إنشداد مشاعره وأفكاره إلى أمر آخر ، وبعضهم يركز ذهنه ومشاعره غالباً أو دائماً على كل عمل يقوم به ، والشخصيات الناجحة والصالحة هي التي تمتلك قدراً كبير من التركيز على أعمالها ، وبإستطاعة الإنسان أن يربي نفسه على التركيز حتى يصبح سمة لشخصيته ، والصلاة من الأعمال التي يقوم بها الإنسان ، فالإقبال عليها وشدته تعتمد على ما يتمتع به المصلى من تركيز وإقبال قلبي في سلوكه وشخصيته العامة ، فالأنبياء والأئمة ( عليهم الصلاة والسلام ) والصالحون يتمتعون بدرجات كبيرة وعجيبة من الإقبال والخشوع في صلواتهم وعباداتهم بسبب الجديّة العالية في سلوكهم العام وشخصيتهم .

الرابع :

فهم الصلاة ومعـانيها

على المصلي فهم الصلاة ومعانيها ومعطياتها واسلوبها التربوي الرسالي الشخصي والاجتماعي فبمقدار ما يملك الإنسان من وعي لذات الصلاة ودورها في الحياة ، سيكون مقدار نصيبه من الإقبال عليها الإفادة منها .
والصحيح والنافع أن تجعل الصلاة ملازمة لك في كل أفعالك وحياتك وكذا العكس بأن تجعل أفعالك وحياتك كلها ملازمة للصلاة ، فعندما تصلي تستحضر أن أفعالك جميعها لا تـُقْـبَل إذا لم تـُقبل الصلاة ، هذا سيدفعك ويُلزمك أن تأتـي بالصلاة وشروطها الظاهرية والباطنية حتى تكون مقبولة فـتُـقْبَل الأعمال .
وكذلك عندما تريد أن تأتي بطاعة أو بعمل معروف فعليك استحضار الصلاة واعتبارها أحد الأسباب التي دعتك لفعل المعروف أو للإتيان بالطاعة ، لأن من شروط قبول الصلاة ومن آثارها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعن الفحشاء ، أي أن من شروط قبول الصلاة أن يكون المصلي من المتقين ومن أهل المعروف .
وكذلك عندما تنتهي عن المنكر اجعلْ أحد الأسباب التي جعلتك تنتهي عن المنكر هو الصلاة ، وأنك تريد أن تحقق الصلاة المقبولة الناهية عن الفحشاء والمنكر .
الخامس :

الإصرار والمثابرة :

إذا أُبتليتَ بالغفلةِ وعدم حضور القلب فلا تجعل مثل هذا مثبطاً لك ومسبباً للآلام واليأس في النفوس ومضعفاً للإصرار ، بل عليك الإصطبار والإصرار والمثابرة ، فإنك في حالة صراع مع الهوى والنفس والشيطان وكل منهم يحاول أن يصلْ بك إلى حالة اليأس والضعف فلا تسمح لها بهزيمتك والإطاحة بك فإن الله تعالى قد كرمك وأنعم عليك بالاستعدادات والقدرات الذاتية التي تستطيع بها أن تتغلب عليها وتسقطها ، فتوكل على الله تعالى وأعقد العزم على هزيمة تلك القوى الشريرة وستنتصر بعون الله وتسديده .

السادس :

صور الإقبال والحضور .

يمكن لبعض المصلين إعطاء الإقبال على الصلاة صبغة وحالة النفس وصفة الظروف التي يعيشها ويتأثر بها ، ففي حالة فرحه يكون الإقبال إقبال الفرح والشكر لله على ما أنعم عليه ، وفي حالة حزنه يكون الإقبال إقبال الحزن والشكوى لله وطلب الفرج وهكذا .

إذا توفرت للإنسان ما سبق من أمور وعمل على تحقيقها مع معرفة الله تعالى وصفاته ومن إفراغ القلب من الدنيا والتركيز على الصلاة ومعانيها وحقيقتها بعد معرفتها ، فلا يبقى إلا أن يتوكل على الله جلت قدرته ويثق بما عنده من قدرات منحه الله تعالى إياها ، فيعقد العزم على هزيمة تلك القوى الشريرة من الهوى والنفس والشيطان ، ويثق ويعتقد بأنه عند البدء بالصلاة والدخول بها يكون قد دخل في حرمها المقدس الجميل ، وإن شاء الله سيقذف الله تعالى من نوره في قلبكَ وستعيش واقعاً في ذلك الحرم المقدس الشريف وستشعر بالمتعة والأنس في تلك الحضرة المقدسة ، رزقنا الله جميعاً هذه المتعة والتشريف والتكريم .
(1) تصرف من المعد