مقارنة الأديان

للسيد الأستاذ.. “حلول أو اتحاد.. تكثّر آلهة وأقانيم مُحدَثة.. مقارنة الأديان”

ونحن إذ نحتفي بتخرج الأخيار الأعزّاء من الدورة التربوية القرآنية الأولى، نبارك لهم هذا التفوّق وهذا المُنجَز الكبير. وحريٌّ بنا أن نذكر الغَرَض الأساس من هذه الدورات التربوية العِلمية والقرآنية، والتي تفتح الأذهان لتقبُّل معلومات وأفكار وحوارات لا يمكن أن نطرحها دون أن نجعل الحدّ الأدنى من الحصانة الفكرية عند الأخيار. فالثقافة العلمية بمجمل أمور منطقية وأصولية قرآنية كاللِحاظات المختلفة وفهم المعاني على أساسها وكمعرفة التصورات والتصديقات والألفاظ والمعاني وتقسيماتها والمفاهيم الكلية والجزئية والنسب بينها والقضايا وأحكامها ومعرفة القياسات والإستقراء والبرهين المنطقية واختلافها عن الخِطابات الجَدَلية وغيرها من الخِطابات والمقدِّمات الصحيحة وما يَنتج عنها، وغيرها. إضافة إلى معرفة الحُكم الشرعي وتقسيماته وأقسام الدليل الشرعي والأدلّة المحرزة والأصول العملية والمُعَذِّرية والمنجِّزيّة وحُجّيّة الظهور العُرفي وحُجّيّة خبر الواحد الثِّقة، وأصالة البراءة وأصالة الاحتياط وأصالة الاستصحاب وغيرها. فضلاً عن البحوث الفقهية كشروط مرجع التقليد وطرق معرفة الفقيه الجامع للشرائط والاحتياط والمجتهد المطلَق والمجتهد المتجزِّيء وولاية القضاء وولاية رعاية شؤون القاصرين وغيرها. وكذلك البحوث العقائدية كـ “أخيار العراق ورايات المَشرِق” وبحث “الدجّال” وبحث “السفياني” وبحث “المهدي في الإنجيل وعقائد أخرى” وبحث “الدفاع عن المعصوم” وغيرها. أيضاً البحوث الأخلاقية المختلفة، ومنها “العِبادة وتكامل الفرد والمجتمع” و “تربية النفس والسير في طريق التكامل والإرتقاء” و “المثل الأعلى” والآيات والروايات الدالّة على تنصيب العالِم الفقيه وإرجاع الناس إليه، والآيات والروايات الدالّة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكَر وغيرها.

ومن هنا نجد أنّ المقام الآن مناسب وبدون أن نحذر من شطحات فكرية وسلوكية بسبب سوء الفهم، فالسيد الأستاذ يريد أنْ يحصّن الأفكار والنفوس والقلوب ويجعلها عصيّة وممتَنعة عن أي تأثير خارجي سلبيّ يخالف الأخلاق والدين والمعتَقَد السليم. نعم السيد الأستاذ يريد الحصانة للجميع من تأثيرات الإلحاد والميوعة والتخنُّث والإلحاد والحشيشة والمخدّرات والخمور والإجرام وانحطاط الأخلاق وغيرها من الموبِقات.
وعليه سنذكر لكم عناوين من بعض بحوث السيد الأستاذ ومقتَبَسات من هذه البحوث التي تقع ضمن مجموعة سلسلة بحوث مقارَنة الأديان وسلسلة البحوث الفلسفية وسلسلة بحوث “تحليل موضوعي في العقائد والتأريخ الإسلامي”. وسنذكر لكم عناوين من بحث “مقارنة الأديان بين التقارب والتجاذب والإلحاد” مع مقتبَس واحد منه.

من أهم عناوين بحث “مقارنة الأديان بين التقارب والتجاذب والإلحاد”:
1. قانون التحدي والمنهج الوسطي في مقارنة الأديان.
2. حاجة الربّ لكرسيّ داود وعدم تحقق النبوءة.
3. أعِدّوا طريق الربّ قد اقترب ملكوت السماوات.
4. صوت صارخ في البرية توبوا قد اقترب ملكوت السماوات.
5. العهد القديم يدعو إلى التوجيد.
6. الإشارة والنداء بين إشعيا والإنجيل والتلمود.
..وغيرها.

“حلول أو اتحاد.. تكثّر آلِهَةٍ وأقانيمَ مُحدَثة”
من موقع الأنبا تكلّا نقتبس مورداً يشير إلى المعاني السابقة -في بحث “لا أزليّة ولا لاهوت.. في اتّحاد اللاهوت بالناسوت” – من أنّ موت عيسى تحقّق بانفصال النفس عن الجسد أو الروح البشرية عن الجسد البشري، أمّا اللاهوت فبقي متّحداً مع جُزئَي الناسوت بعد الموت، حيث قال: “انفصلت نفسه عن جسده ولاهوته لم ينفصل قطّ عن نفسه ولا عن جسده. انفصلت الروح البشرية عن الجسد البشري، ولكن اللاهوت لم ينفصل عن أيٍّ منهما وإنّما بقي متّحداً بهما كما كان قبل الموت، وكلّ ما في الأمر أنّه قبل الموت كان اللاهوت متّحداً بروح المسيح وجسده ةهما أي الروح والجسدمتّحدان معاً. أمّا في حالة الموت فكان اللاهوت متّحداً بهما وهما منفصلان عن بعضهما البعض، أي صار متّحداً بالروح البشرية على حِدَة ومتّحداً بالجسد على حِدَة.
والدليل على اتّحاد اللاهوت بروح المسيح البشرية أثناء موته أنّ روح المسيح المتّحدة بلاهوته استطاعت أن تذهب إلى الجحيم وتطلق منه ىكلّ الذين كانوا راقدين فيه على رجاء من أبرار العهد القديم وتُدخلهم جميعاً إلى الفِردوس. والدليل على اتّحاد اللاهوت بجسد المسيح أثناء موته أنّ هذا الجسد بقي سليماً تماماً واستطاع أن يقوم في اليوم الثالث ويخرج من القبر المغلَق بقوّة وسرٍّ، هي قوّة القيامة. وما الذي حدث في القيامة إذن؟ حدث أنّ روح المسيح البشرية المتّحدة باللاهوت أتت واتّحدت بجسده المتّحد باللاهوت ولم يحدث أنّ اللاهوت فارق الناسوت، لا قبل الموت ولا أثناءه ولا بعده”.

أقول: هل يفهمون معنى الحلول والاتّحاد؟ هل اختاروا من بين الأقوال معنى الحلول والاتّحاد بحيث يبنون عليه مبانيهم وبراهينهم وحججهم؟ وهل يوجد عندهم خلط بين معنى الاتّحاد ومعنى الحلول؟ أو أنّ الحلول والتّحاد عندهم بمعنى واحد؟ والآن نترك الحديث عن وحدة الوجود لعدم ترتُّب فائدة عليه في المقام، ونذكر بعض الكلام لتقريب المعنى وفهم الفكرة:
الحلول هو أن يحِلّ ويحصل وينزل أحد الشيئين في الآخَر كحلول الماء في الكأس بحيث تكون الإشارة إلى أحدهما إشارة إلى الآخَر وبحيث يبقى كلٌّ منهما متميِّزاً عن الآخَر وتبقى طبيعة كلٍّ منهما كما هي ولا تكون طبيعة ثالثة جديدة فالماء يبقى على طبيعته كما هي وكذلك الكأس يبقى على طبيعته كما هي. وإلى هذا المعنى يرجع القول بحلول الله الخالق في المخلوق كحلول اللاهوت في الناسوت، حيث تبقى الطبيعتان كما هما ولا تتكون طبيعة ثالثة جديدة. والسؤال هنا عن عيسى المسيح الذي يؤلهونه ويعبدونه ويقولون أنّه أُقنوم وأنّه هو الله، فهل أُقنومية عيسى متقوِّمة بطبيعته اللاهوتية والناسوتية؟ أي بطبائعه الثلاث اللاهوتية والناسوتية الجسدية والناسوتية الروحية أو أنّ أُقنوميته متقوِّمة بطبيعةٍ منها دون غيرها؟ وهل أنّ ألوهية عيسى متقوِّمة بطبيعته اللاهوتية والناسوتية أي بطبائعه الثلاث اللاهوتية والناسوتية الجسدية والناسوتية الروحية أو أنّ ألوهيّته متقوِّمة بطبيعة منها دون غيرها؟
فإذا كانت الأٌقنوميّة والألوهية مرتبطة بكلّ طبائع المسيح فإنّه يستلزم تعدُّد الأقانيم والآلهة وتعدُّد اللاهوت، حيث يكون عندنا أُقنوم وإله ولاهوت قبل الحلول قبل الإتّحاد يختلف عن الأُقنوم واللاهوت والإله بعد الحلول، حيث أنّ الناسوت مُحدَث قد وُجِد عند الحَمْل أو بعده بفترة، فيكون الحلول فيه أي الاتّحاد به حُلولاً مُحدَثاً. وكذلك تعدُّد الأقنوم والإله واللاهوت عندما مات عيسى بانفصال روحه عن جسده، أي انفصال روحه الناسوتي عن جسده الناسوتي فصار حلول أي اتّحاد اللاهوت معهما وهما ميّتان مفترقان متفارقان حلولاً مُحدَثاً مختلفاً باللِحاظ والحقيقة عن الحلول الذي سبق الموت.

الإتِّحاد هو امتزاج واختلاط شيئين حتّى يصيرا شيئاً واحداً كما في السكّر الذائب في الماء حيث تكوّن الماء المحلَّى بالسكّر وهو طبيعة جديدة ثالثة تختلف عن طبيعة الماء وتختلف عن طبيعة السكَّر. وإلى هذا المعنى يرجع القول باتّحاد الله الخالق بالمخلوق اتِّحادَ اللاهوت بالناسوت، حيث تتكوّن طبيعة ثالثة جديدة تختلف عن طبيعة اللاهوت بما هي لاهوت وتختلف عن طبيعة الناسوت بما هي ناسوت. فالطبيعة الثالثة الجديدة لا تَصدُق على الناسوت بما هو ناسوت ولا تَصدُق على اللاهوت بما هو لاهوت بل هي طبيعة تَصدُق على اللاهوت والناسوت بما هما متَّحدان وممتزجان ومختلطان ومُندَكّان في بعضهما البعض، ولا نحتاج إلى مَؤونة حتى نفهم أ،ّ هذا يعني أنّها طبيعة جديدة مُحدَثة وأنّه أُقنوم جديد مُحدَث وأنّه إله جديد مُحدَث. وكما في الحلول فإنّه تأتي هنا العديد من الاستفهامات، ونكتفي بالتنبيه إلى ـأنّ الطبيعة المُحدَثة الناتجة من الاتّحاد فإنّها طبيعة متكوّنة من الأصل من ثلاث طبائع: اللاهوت والجسد الناسوت والروح الناسوت. فهل الموت يتحقّق بانفصال الثلاثة بعضهم عن بعض فيَنتُج ثلاث طبائع؟ أو أنّ الموت يتحقّق بانفصال الروح فقط فيَنتُج طبيعتان: طبيعة الروح وطبيعة اللاهوت والجسد معاً؟ وهذه الطبيعة الأخيرة المتكونة من اللاهوت والجسد معاً هي طبيعة جديدة مُحدَثة فهي أُقنوم مُحدَث جديد وإله مُحدَث جديد. وبهذا ستتعدَّد الأقانيم والآلهة والعديد منها مُحدَث وليس بقديم ولا بأزليّ. سبحان الله وتقدَّس عَمّا يقولون!

نعود ونقول أنّ الآراء والمزاعم كثيرة جداً لا يمكن إحصاؤها من حيث أنه لا يوجد ضابطة ولا مرجعية لغوية أو عرفية يمكن الرجوع إليها، بل لا يوجد حتّى مرجعية إشارتية رمزية نرجع إليها. ونكرر أنّ الجدال العلمي والمحاججة مباحة لكلّ من يريد الدفاع عن رأيه ومعتقده دون إكراه وترهيب واعتداء، إذ يجب ترك الإختيار لكلّ إنسان وحسب عقله ومستواه الذهني وإدراكه وثقافته وبيئته ومجتمعه، وإنّ الله مطّلع على كلّ شيء وهو الحاكم الحكيم العادل وهو أرحم الراحمين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى