صلاة الجمعة

خطيب جمعة البصرة / النازحون بين مطرقة داعش وسندان ساسة الفساد 28 ذو الحجة 1437هـ

أقيمت صلاة الجمعة المباركة بامامة الشيخ المالكي (دام عزه) في جامع الامام الباقر (عليه السلام) الواقع في وسط محافظة البصرة بتاريخ 28 ذو الحجة 1437 هـ الموافق 30 / 9 / 2016 م وقد تطرق الخطيب لمناسبة عاشوراء وذكر استشهاد الامام الحسين (عليه السلام) التي تمر علينا هذه الايام
وقد المح الى ان عاشوراء اضافة الى الدمٌ والدموعٌ، والألمٌ الذي يفري الضلوع فهي في نفس الوقت سموٌ واستعلاء، ، وعزةٌ للنفس وإباء ذكرى استشهاد أبي الاحرار الإمام الحسين عليه السلام، فما اجتمعَ الألمُ القاسي والعزةُ الطولى، كما اجتمعا في ذكرى عاشوراء الحسين عليه السلام ذكرى انتصار الدم علي السيف التي اقتربت ذكراها هذا الاسبوع
واضاف ان الألم لذكرى تلك الدماءِ النقيةِ الطاهرةِ التي ما ارتوت هذه الأرض بأطهر منها، والعزة بذلك الشمم العالي الذي ما شهدت هذه الأرضُ مثله، وانهما لمزيجٌ مقدس، تطهرُ به الأرواحُ وتُزكّى وتسمو به الإنسانيةُ إلى السماواتِ العلى فتنطوي الصفحاتُ وتدور رحى القرون وتندرجُ الأيام الى غابر الزمن لتُسجلَ على جبين التأريخ مواقفٌ هزت ضميرَهُ وترسخت في ثناياه , فلا يمكنهُ نُكرانها بالتناسي أو جحودها بالتغاضي , فهل يجرؤ التأريخ أن يشطبَ على ثورة الحسين الضميريةَ المتجددةَ والمتجذرةَ في عمقِ الرؤيةِ الكونيةِ وأحشاء القلوب الإيمانية؟
كما ذكر البيت الشعري الشهير في الامام الحسين عليه السلام (كذب الموت فالحسينُ مخلدُ … كلما مرً الزمانُ ذكرهُ يتجددُ )
وتابع قائلاً :- إذ أن ثورةَ الحسين(عليه السلام) لم تكن ثورةً يحكمُها عاملُ الزمنِ أو يتدخلُ في كينونتها عنصرُ الوقت، بل كانت ثورةً امتداديةً استمراريةً حيويةً نابضةً بقلب الضميرِ البشري لتشبعَهُ روحاً رافضةً وثورةً مستديمةً ضد الباطل والانحراف والظلمِ والوحشيةِ والتعسفِ والانحلال فهي ثورةُ إنسان على كلِ ما يُعيقُ حركتَهُ ويسعى لسلبِ إنسانيتهِ وحقوقهِ وكراماته، ولذا كان من الضروري، امتدادُ هذه الثورةِ مادامت الدنيا باقية، ومادام يتقابلُ جيشا الحقِ والباطل والهدايةِ والضلالة، وهذا هو سرّ تأكيد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وآلهِ الكرام المسلمين على إحياءِ ذكرى عاشوراء طول الدهر، فنجد أن الإسلامَ مدَّ من مفهوم الثورةِ الحسينية في هذا الشعار السائد وهو: (كل يومٍ عاشوراء، وكل أرضٍ كربلاء) ومنه وعليه يمكننا أن ندركَ معنى أحياءِ الشعيرةِ غيرِ المقتصرة وغيرِ المنطويةِ على إثارةِ العزاء فحسب دونما تحليلِ فلسفةِ الشعارِ وعمقِ الغايةِ وجليلِ الهدف الذي انطلق الحسينُ عليه السلام منها وراح يعطي الغالي والنفيس من أجلِ تحقيقِ قولُهُ سبحانه: (ومن يعظمُ شعائرَ اللهِ فإنها من تقوى القلوب)
واكد اننا لا يمكننا أن نفهمَ معنى الإيمانِ بثورة الحسين(عليه السلام) إلّا من حيث امتلاء تلك النفس بروح العزة والشموخِ والكرامةِ والتصاقها بمفهوم الحميةِ والإباءِ وخلعِ ثوبِ المذلةِ وإيثارِ مصارعِ الكرامِ على طاعةِ اللئام وهذا ما نستوحيه من قوله(عليه السلام): ( ألا أن الدعي ابنَ الدعي قد ركزَ بين اثنتين بين السلةِ والذلةِ وهيهات منّا الذلّة يأبى اللهُ لنا ذلك ورسولُهُ والمؤمنون, وجدود طابت وحجور طهرت, وأنوفٌ حمية, ونفوسٌ أبية, أبت ان تؤثرَ طاعةَ اللئامِ على مصارعِ الكرام). فكانت هذه الكلماتُ ولا زالت وستبقى الخطرَ الأكبرَ الذي يُرعبُ الطواغيتَ في كلِ العصور ويقضُ مضاجعَهم لأن منبعَ هذه الكلماتِ وأساسَها هو تجسيدُ كرامةِ الإنسان في الأرض وإقامةُ العدلِ والانتصافِ من الطغاةِ والمتجبرين وارساءُ مبادئ الدينِ الإسلامي الحنيف, وقد أوضحَ الإمامُ الحسين(عليه السلام) أهدافَ ثورتهِ المباركةِ عندما قال: ( إني لم أخرجَ أشرًا ولا بطرًا وانما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي(صلى الله عليه وآله) أريد أن أمرَ بالمعروفِ وأنهى عن المنكر)
واشار (دام عزه) الى ان النازحون في العراق معذبون في آمالهم، أغراب في حياتهم، خائفون، مهددون، ملاحقون، كل شيء قد توقف في حياتهم ، ولم يبق لهم إلا الدعاء إلى الله ، فقد أجبرتهم ظروف الغدر لأن يتركوا مدنهم وبيوتهم وأماكنهم للهجرة والنزوح خارجها هربًا من واقعهم المرير ومن قلوب لا تعرف الرحمة والإنسانية، هربا من عصابات داعش التكفيرية ومن معها والتي أجرمت بحق ملايين العائلات، فقتلت ودمرت وفتكت واستباحت الأرض والعرض من دون هوادة وكأنها وحوش كاسرة تريد تحويل الحياة الى موت، والأمل الى شقاء، والفرح الى بؤس
وشدد على إنها عصابات شيطانية هجّرت آلاف العوائل من مدن كانت هي ماضيَهم وحاضرَهم ومستقبلهم، هجّرتهم من الرمادي وتكريت والموصل وديالى وتلعفر وجرف الصخر وبشير ومدن أخرى تركها أهلها تبكي بصمت حزنًا عليهم ، حزنًا على عشاقها وتأريخها، فليس من السهولة ان تغادر أرضك مجبرًا، وليس من الحق أن تنام في العراء ولك المال والجاه ، وليس من الانصاف أن تحتل الوحوش أماكن الناس الطيبة والوديعة، رجال، نساء، أطفال، شيوخ، مرضى ومعوقون أصبحوا اليوم من دون مأوى ولا معين، إنها كارثة إنسانية لم يشهدها العراق على مر العصور والأزمنة، وفعل شنيع ارتكبته عصابات داعش المجرمة وكل من ساندها ودعمها وسوق لها، فتلك هي الرذيلة، وذلك هو الإجرام، وهذا هو ما ارادته بعض الأطراف التي سيكشف التأريخ والزمن عناوينها ومسمياتها وانتماءاتها فالحقائق لاتموت .
ونوه الى ان أكثر من ستة ملايين نازح ، وخمس محافظات شعبها مشرد ، حتى أصبح النازحون في العراق ينتقلون من معاناة الى معاناة ومن مأساة الى مأساة ومن ضيم الى ضيم ، فبعد أن تركوا الديار والأوطان والمال والعز والدلال من أجل أن يحافظوا على الأعراض والأنفس بدأت معاناة أخرى ومأساة أخرى ، انهم يبحثون عن سقف يضلهم وعن بيت يؤويهم وعن ارض تحميهم ، عن دولة تحتضنهم ، ولكن اغلبهم لم يجد ، حتى اصبح سعيد الحظ من يحصل على خيمة واحدة وهذه الخيمة بعد طول انتظار شهر او شهرين او ثلاثة هي سكن لعشرة اشخاص او اكثر ، ومع ما يرافق هذا الوضع من معاناة وحرمان من ابسط مستلزمات العيش الكريم ، ومع هذه المعاناة وهذه المأساة تأتيهم اللجان والهيئات تزورهم وتتفقدهم ولكن ليس من اجلهم وانما من اجل سرقت اموالهم فتاخذ منهم المستمسكات وتواعدهم بالمساعدات وبعد ذلك يذهبون ولا يرجعون لانهم فقدوا الانسانية وفقدوا الضمير ، انهم يأخذون هذه المستمسكات ( البطاقة التموينية ) ويستلمون بها المساعدات ويبيعونها ويضعون الاموال والدولارات في جيوبهم .
ونبه الى ان النازحون قد حُرموا من العيش الكريم ومن الامان و التعليم وحرموا من كل شيء ، فمن يطلع ويلاحظ الزيارات الميدانية لاماكنهم يرى العجب العجاب حيث انه من عظم المصيبة والمحنة انه اثناء اللقاء مع النازحين نرى ان الرجل يبكي عندما يروي قصته ومصيبته ، وان المرأة تبكي عندما تروي لوعتها وذلها ، ونرى الكثير يروى ويحكي خراب ديارهم وسرقت اموالهم وحرق بساتينهم ومزارعهم وانعدام كل مقومات الحياة ومع هذا يتمنى النازحون ان يرجعوا الى ديارهم وان كانت مهدمة ، انهم يقولون وامام الاعلام ارجعونا الى ديارنا وان كانت مهدمة ، ارجعونا كي ننصب خيمة فوقها ، كفى ذل كفى مهانة ، كفى ظلم .
والان نقول لكم ايها الاحبة هل سمعتم يوما أن احد الوزراء أو أحد المسؤولين الكبار زار النازحين في مخيماتهم وعرف احتياجاتهم ، وهل سمعتم أن وزارة الهجرة والمهجرين قدمت شيئاً يعتد به للنازحين ، يامن تدعون الاسلام والتدين ، نقول لكم اين انتم من قول رسول الله صلى الله عليه واله وسلم من اصبح لا يهتم بأمور المسلمين فليس بمسلم ، واين انتم من قول امير المؤمنين سلام الله عليه (الناس صنفان: إما أخ لك في الدين أونظيرلك في الخلق )
وقال بسبب فسادكم وفساد مؤسساتكم سلطتم الدواعش التكفيرين على رقابنا وبسبب فسادكم صار هذا حالنا وصرنا الاسوء في كل شيء ، ولكن رغم كل الذي حصل بنا يبقى رجال العراق الاصلاء ابناء هذا الوطن ممن عاش معاناته لا يهدأ لهم بال ولا يهنأ لهم عيش وهم يرون ما يحصل بأخوتهم وابناء وطنهم من ضيم وظلم وقهر ،
واوضح ان المرجعية العراقية المتمثلة بسماحة اية الله العظمى السيد الصرخي الحسني (دام ظله) الزمت على نفسها وعلى مقلديها الانتصار للنازحين والمهجرين ومنذ الايام الاولى للمطالبة بحقوقهم ومساعدتهم وجمع التبرعات من اجلهم وتنظيم الوقفات والتظاهرات والمحاضرات والخطابات للمطالبة بحقوقهم المسلوبة والمطالبة بإنقاذهم من وضعهم المأساوي
كما ذكر ببعض ما صدر من كلام لسماحة اية الله العظمى السيد الصرخي الحسني دام ظله :
(مئاتُ الآلاف وملايينُ الناسِ في الصحاري وفي البراري وفي اماكنِ النفاياتِ والقاذوراتِ وعليهم ينزلُ المطرِ ويضربُهم البرد ، كما مرَّ عليهم لهيبُ الحر والسمومِ والشمسِ وحرارةُ الشمس وعطشُ الشمس ومعاناةُ الصيف )
ويخاطب سماحته من سرق اموال النازحين والمهجرين فيقول ( إلى أي مستوىً من الرذالةِ والدناءةِ والخسةِ عند هؤلاء عندما يُعطى الفتات ، يُعطى الأموالَ من أجلِ ان يُوِصلَها للنازحين ، للفقراء ، للمحتاجينَ ، للأبرياء ، للأطفالِ ، للنساء ، للمرضى ويصلُ لهم الفتاتُ الفتات ، بعدَ المعاناة يحصل على الفتات ، حتى هذا الفتات سُرقت من الناس )
وفي مقام آخر يقول سماحته ( واما رَفْعُ الظُلْمِ والحَيْفِ والقَهْرِ فاِنَّنا لا نَفتُرُ ولا نَكسَلُ عنه بل نبقى نُحاولُ ونعملُ ونُجهِدُ انفسَنا من أجلِ تحقيقِه ، وليس الغرضُ منْهُ المصلحةَ الشخصية والفئوية بل من أجلِ كل العراقيين وكل المظلوميات وكل المظلومين ، فمظلوميتُنا واحدة وقضيتُنا واحدةٌ ووطنُنا واحدٌ، فاِنَّنا شعبٌ واحدٌ ، وسنبقى على العهد بعون الله تعالى وسنسعى الى ارجاع كل الأمور الى ما كانت عليه قَبْلَ اَنْ تَدْخُلَ بيننا ضباعُ الليلِ وخفافيشُ الظلامِ وشياطينُ الاِنسِ وقوى الشرِّ والتسلُّطِ والفَسادِ والعملاءِ والسرّاق ) .
يذكر ان مرجعية سماحة اية الله العظمى السيد الصرخي الحسني دام ظله قد خصصت اسبوعاً باسم النازحين
كما وسيرت قوافل المساعدات الغذائية والطبية في عموم مناطق البلد التي تحوي مخيمات النازحين

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق