الكلابي
08-07-2008, 10:33 PM
الصواعق المحرقة في الرد على النواصب
الحلقة الرابعة
خالد بن الوليد:
خالد بن الوليد بن المغيرة من بني مخزوم الملقب عند (أهل السنة والجماعة) بسيف الله.
أبوه من أكبر الاثرياء الذين لا يقدر ثراؤهم بقيمة، يقول عباس محمود العقاد: كان أغنى أبناء زمانه في صفوف الثراء المعروفة بينهم كافة، الذهب والفضة والبساتين والكروم والتجارة والعروض والخدم والجواري والعبيد، وسمي من أجل ذلك بالوحيد(1) .
وأبوه هذا هو الدليد بن المغيرة الذي نزل فيه القرآن يتوعده بالنار وبئس القرار، فقال
تعالى في شأنه: «ذرني ومن خلقت وحيداً * وجعلت له مالاً ممدوداً * وبنين شهوداً * ومهدت له تمهيداً * ثم يطمع أن أزيد * كلا انه كان لايانتا عنيداً * شأرهقه صعوداً * انه فكر وقدر * فقتل كيف قدر * ثم قتل كيف قدر * ثم نظر * ثم عبس وبسر * ثم أدبر واستكبر * فقال ان هذا الا سحر يؤثر * ان هذا الا قول البشر * سأصليه سقر …» (المدثر: 11ـ26).
ويروي أن الوليد جاء للنبي صلى الله عليه وآله وسلم يغريه بالاموال ليترك الدين الجديد فأنزل الله فيه: «ولا تطع كل حلاف مهين * هماز مشاء بنميم * مناع للخير معتد
____________
(1) عبقرية خالد: عباس العقاد ص 24.
اثيم * عتل بعد ذلك زنيم * أن كان ذا مال وبنين * اذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الاولين * سنسمه على الخرطوم» (القلم: 10ـ16).
وكان الوليد يعتمد بأنه أحق وأولى بالنبوة من محمد فكان يقول: أينزل القرآن والنبوة على محمد الفقير وأترك أنا كبير قريش وسيدها ؟
وعلى هذه، مفيدة تربى خالد بن الوليد حاقداً على الإسلام وعلى نبي الإسلام الذي سفه أحلام أبيه وقوض عرشه فشارك خالد في الحروب كلها ضد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
ولا شك بأن خالداً كان يشارك أباه في اعتقاده بأنه أولى بالنبوة من محمد الفقير اليتيم ولأن خالداً كأبيه من عظماء قريش إن لم يكن أعظمهم على الإطلاق، فلو نزل القرآن والنبوة على أبيه لكان لخالد منهما النصيب الأوفر ولورث النبوة والملك كما ورث سليمان داود.
وقد سجل الله سبحانه اعتقادهم هذا بقوله:
«ولما جاءهم الحق قالوا هذا سحر وإنا به كافرون * وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم» (الزخرف: 30 ـ 31).
فلا غرابة أن يعمل كل ما في وسعه للقضاء على محمد ودعوته وقد رأيناه يجهز جيشاً كبيراً بما أتاح له الثراء في غزوة أحد ويكمن للنبي صلى الله عليه وآله وسلم محاولاً القضاء عليه، وقد حاول أيضاً عام الحديبية أن يغتال النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولكن الله سبحانه أفشل مخططاته كلها فباءت بالفشل ونصر نبيه في المواطن كلها.
ولما عرف خالد كغيره من عظماء قريش بأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يقهر، ورأى الناس يدخلون في دين الله أفواجاً، عند ذلك استسلم للأمر الواقع وفي نفسه حسرة، فكان إسلامه متأخراً إلى السنة الثامنة للهجرة وقبل فتح مكة بأربعة شهور.
ودشن خالد إسلامه بمخالفة أوامر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حيث نهاهم عن القتال فدخل خالد إلى مكة يوم الفتح بعد ما قتل أكثر من ثلاثين رجلاً أغلبهم من قريش وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم أوصاهم بأن لا يقتلوا أحداً.
ومهما اعتذر المعتذرون عن خالد بأنه صد عن الدخول إلى مكة ويأنه شهروا في وجهه السلاح، فهذا لا يبيح له القتال بعد نهي النبي عنه، وكان بوسعه أن يرجع إلى باب آخر فيدخله بدون قتال، كما فعل الآخرون، أو أن يبعث للنبي صلى الله عليه وآله وسلم يستشيره في قتال الذين منعوه الدخول.
ولكن شيئاً من ذلك لم يكن، واجتهد خالد برأيه مقابل النص الذي سمعه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وما دمنا نتحدث عن الاجتهاد مقابل النص والذي أصبح له أنصار ومؤيدون، أو قل أصبحت له مدرسة قائمة تخرج منها عظماء الصحابة والمشرعون وسميت فيما بعد بمدرسة الخلفاء، لابد لنا من الإشارة هنا بأن الاجتهاد بهذا المعنى هو معصية الله ورسوله لا غير، ولأننا الفنا اصطلاح الاجتهاد مقابل النص فأصبح وكأنه أمر مشروع، وفي الحقيقة يجب أن نقول: وعصى خالد أمر النبي بدل أن نقول: واجتهد خالد برأيه مقابل النص كما علمنا القرآن عندما قال: «وعصى آدم ربه فغوى» (طه: 121)، لأن الله نهاه عن الأكل من الشجرة ولأن آدم أكل منها، فلا تقول: فاجتهد آدم برأيه مقابل النص.
ويجب على المسلم أن يقف عند حده ولا يقول برأيه في مسألة ورد فيها امر أو نهي من الله أو من رسوله، لأن ذلك هو الكفر الصريح.
قال الله للملائكة: «اسجدوا لآدم» ، فهذا أمر، «فسجدوا» (طه / 116)، وهذا إيجاب وامتثال وطاعة.
إلا إبليس فإنه اجتهد برأيه فقال: أنا خير منه فكيف أسجد له ؟ وهنا عصيان وتمرد، بقطع النظر عمن هو خير، آدم أم إبليس ؟
ولذلك قرر سبحانه: «ما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة» (الأحزاب: 36).
وإلى هذا أشار الإمام جعفر الصادق عندما قال لأبي حنيفة: لا تقس فإن
الشريعة إذا قيست محقت، وإن أول من قاس إبليس عندما قال: أنا خير منه خلقني من نار وخلقته من طين.
وقوله: إن الشريعة إذا قيست محقت هو أحسن تعبير للدلالة على فساد القياس، فلو استعمل الناس آراءهم المختلفة مقابل النصوص فلا ولن يبق للشريعة أثر، ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض.
ونعود بعد هذا العرض الوجيز للاجتهاد لنقول في هذه المرة بأن خالد بن الوليد عصى أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مرة أخرى عندما بعثه إلى بني جذيمة يدعوهم إلى الإسلام ولم يأمره بقتال.
فذهب إليهم وأوقع فيهم وغدر بهم بعدما أعلنوا إسلامهم وقتلهم صبراً، حتى أتهمه عبد الرحمان بن عوف ـ الذي حضر معه تلك الوقعة ـ بأنه إنما قتلهم ليثأر لعميه اللذين قتلهما بنو جذيمة(1) .
ولما سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بتلك الوقعة الشنيعة تبرأ إلى الله مما صنع خالد ثلاث مرات، ثم أرسل إليهم علي بن أبي طالب بأموال كثيرة فودى لهم كل الدماء التي أهرقها خالد.
ومهما يعتذر المعتذرون من «أهل السنة والجماعة» عن خالد بن الوليد، فإن صفحات تاريخه حافلة بالمآسي والمعاصي لكتاب الله وسنة رسوله، ويكفي الباحث أن يقرأ تاريخه وما فعله في اليمامة أيام أبي بكر، وغدره بمالك بن نويره وقومه وكيف قتلهم صبراً وهم مسلمون ودخل بزوجة مالك ونكحها في ليلتها ولم يراع في ذلك شرع الإسلام ولا مروءة العرب.
حتى أن عمر بن الخطاب مع تساهله في الأحكام إلا أنه شنع عليه وسماه عدو الله وتوعده بالرجم.
____________
(1) أخرج اليعقوبي في تاريخه ج 2 ص 61 أن عبد الرحمان بن عوف قال: والله لقد قتل خالد القوم وهم مسلمون، فقال خالد: إنما قتلتهم بأبيك عوف بن عبد عوف، فقال له عبد الرحمان: ما قتلت بأبي ولكنك قتلت بعمك الفاكه بن المغيرة.
أنظر رعاك الله: إن خالداً لم ينكر قتله للقوم وهم مسلمون بل اعترف بأنه قتلهم بعوف والد عبد الرحمان فهل يحق في دين الله أن يقتل قوم برجل واحد وهل يجوز قتل المسلمين برجل كافر.
الشيخ الكلابي
الحلقة الرابعة
خالد بن الوليد:
خالد بن الوليد بن المغيرة من بني مخزوم الملقب عند (أهل السنة والجماعة) بسيف الله.
أبوه من أكبر الاثرياء الذين لا يقدر ثراؤهم بقيمة، يقول عباس محمود العقاد: كان أغنى أبناء زمانه في صفوف الثراء المعروفة بينهم كافة، الذهب والفضة والبساتين والكروم والتجارة والعروض والخدم والجواري والعبيد، وسمي من أجل ذلك بالوحيد(1) .
وأبوه هذا هو الدليد بن المغيرة الذي نزل فيه القرآن يتوعده بالنار وبئس القرار، فقال
تعالى في شأنه: «ذرني ومن خلقت وحيداً * وجعلت له مالاً ممدوداً * وبنين شهوداً * ومهدت له تمهيداً * ثم يطمع أن أزيد * كلا انه كان لايانتا عنيداً * شأرهقه صعوداً * انه فكر وقدر * فقتل كيف قدر * ثم قتل كيف قدر * ثم نظر * ثم عبس وبسر * ثم أدبر واستكبر * فقال ان هذا الا سحر يؤثر * ان هذا الا قول البشر * سأصليه سقر …» (المدثر: 11ـ26).
ويروي أن الوليد جاء للنبي صلى الله عليه وآله وسلم يغريه بالاموال ليترك الدين الجديد فأنزل الله فيه: «ولا تطع كل حلاف مهين * هماز مشاء بنميم * مناع للخير معتد
____________
(1) عبقرية خالد: عباس العقاد ص 24.
اثيم * عتل بعد ذلك زنيم * أن كان ذا مال وبنين * اذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الاولين * سنسمه على الخرطوم» (القلم: 10ـ16).
وكان الوليد يعتمد بأنه أحق وأولى بالنبوة من محمد فكان يقول: أينزل القرآن والنبوة على محمد الفقير وأترك أنا كبير قريش وسيدها ؟
وعلى هذه، مفيدة تربى خالد بن الوليد حاقداً على الإسلام وعلى نبي الإسلام الذي سفه أحلام أبيه وقوض عرشه فشارك خالد في الحروب كلها ضد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
ولا شك بأن خالداً كان يشارك أباه في اعتقاده بأنه أولى بالنبوة من محمد الفقير اليتيم ولأن خالداً كأبيه من عظماء قريش إن لم يكن أعظمهم على الإطلاق، فلو نزل القرآن والنبوة على أبيه لكان لخالد منهما النصيب الأوفر ولورث النبوة والملك كما ورث سليمان داود.
وقد سجل الله سبحانه اعتقادهم هذا بقوله:
«ولما جاءهم الحق قالوا هذا سحر وإنا به كافرون * وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم» (الزخرف: 30 ـ 31).
فلا غرابة أن يعمل كل ما في وسعه للقضاء على محمد ودعوته وقد رأيناه يجهز جيشاً كبيراً بما أتاح له الثراء في غزوة أحد ويكمن للنبي صلى الله عليه وآله وسلم محاولاً القضاء عليه، وقد حاول أيضاً عام الحديبية أن يغتال النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولكن الله سبحانه أفشل مخططاته كلها فباءت بالفشل ونصر نبيه في المواطن كلها.
ولما عرف خالد كغيره من عظماء قريش بأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يقهر، ورأى الناس يدخلون في دين الله أفواجاً، عند ذلك استسلم للأمر الواقع وفي نفسه حسرة، فكان إسلامه متأخراً إلى السنة الثامنة للهجرة وقبل فتح مكة بأربعة شهور.
ودشن خالد إسلامه بمخالفة أوامر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حيث نهاهم عن القتال فدخل خالد إلى مكة يوم الفتح بعد ما قتل أكثر من ثلاثين رجلاً أغلبهم من قريش وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم أوصاهم بأن لا يقتلوا أحداً.
ومهما اعتذر المعتذرون عن خالد بأنه صد عن الدخول إلى مكة ويأنه شهروا في وجهه السلاح، فهذا لا يبيح له القتال بعد نهي النبي عنه، وكان بوسعه أن يرجع إلى باب آخر فيدخله بدون قتال، كما فعل الآخرون، أو أن يبعث للنبي صلى الله عليه وآله وسلم يستشيره في قتال الذين منعوه الدخول.
ولكن شيئاً من ذلك لم يكن، واجتهد خالد برأيه مقابل النص الذي سمعه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وما دمنا نتحدث عن الاجتهاد مقابل النص والذي أصبح له أنصار ومؤيدون، أو قل أصبحت له مدرسة قائمة تخرج منها عظماء الصحابة والمشرعون وسميت فيما بعد بمدرسة الخلفاء، لابد لنا من الإشارة هنا بأن الاجتهاد بهذا المعنى هو معصية الله ورسوله لا غير، ولأننا الفنا اصطلاح الاجتهاد مقابل النص فأصبح وكأنه أمر مشروع، وفي الحقيقة يجب أن نقول: وعصى خالد أمر النبي بدل أن نقول: واجتهد خالد برأيه مقابل النص كما علمنا القرآن عندما قال: «وعصى آدم ربه فغوى» (طه: 121)، لأن الله نهاه عن الأكل من الشجرة ولأن آدم أكل منها، فلا تقول: فاجتهد آدم برأيه مقابل النص.
ويجب على المسلم أن يقف عند حده ولا يقول برأيه في مسألة ورد فيها امر أو نهي من الله أو من رسوله، لأن ذلك هو الكفر الصريح.
قال الله للملائكة: «اسجدوا لآدم» ، فهذا أمر، «فسجدوا» (طه / 116)، وهذا إيجاب وامتثال وطاعة.
إلا إبليس فإنه اجتهد برأيه فقال: أنا خير منه فكيف أسجد له ؟ وهنا عصيان وتمرد، بقطع النظر عمن هو خير، آدم أم إبليس ؟
ولذلك قرر سبحانه: «ما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة» (الأحزاب: 36).
وإلى هذا أشار الإمام جعفر الصادق عندما قال لأبي حنيفة: لا تقس فإن
الشريعة إذا قيست محقت، وإن أول من قاس إبليس عندما قال: أنا خير منه خلقني من نار وخلقته من طين.
وقوله: إن الشريعة إذا قيست محقت هو أحسن تعبير للدلالة على فساد القياس، فلو استعمل الناس آراءهم المختلفة مقابل النصوص فلا ولن يبق للشريعة أثر، ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض.
ونعود بعد هذا العرض الوجيز للاجتهاد لنقول في هذه المرة بأن خالد بن الوليد عصى أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مرة أخرى عندما بعثه إلى بني جذيمة يدعوهم إلى الإسلام ولم يأمره بقتال.
فذهب إليهم وأوقع فيهم وغدر بهم بعدما أعلنوا إسلامهم وقتلهم صبراً، حتى أتهمه عبد الرحمان بن عوف ـ الذي حضر معه تلك الوقعة ـ بأنه إنما قتلهم ليثأر لعميه اللذين قتلهما بنو جذيمة(1) .
ولما سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بتلك الوقعة الشنيعة تبرأ إلى الله مما صنع خالد ثلاث مرات، ثم أرسل إليهم علي بن أبي طالب بأموال كثيرة فودى لهم كل الدماء التي أهرقها خالد.
ومهما يعتذر المعتذرون من «أهل السنة والجماعة» عن خالد بن الوليد، فإن صفحات تاريخه حافلة بالمآسي والمعاصي لكتاب الله وسنة رسوله، ويكفي الباحث أن يقرأ تاريخه وما فعله في اليمامة أيام أبي بكر، وغدره بمالك بن نويره وقومه وكيف قتلهم صبراً وهم مسلمون ودخل بزوجة مالك ونكحها في ليلتها ولم يراع في ذلك شرع الإسلام ولا مروءة العرب.
حتى أن عمر بن الخطاب مع تساهله في الأحكام إلا أنه شنع عليه وسماه عدو الله وتوعده بالرجم.
____________
(1) أخرج اليعقوبي في تاريخه ج 2 ص 61 أن عبد الرحمان بن عوف قال: والله لقد قتل خالد القوم وهم مسلمون، فقال خالد: إنما قتلتهم بأبيك عوف بن عبد عوف، فقال له عبد الرحمان: ما قتلت بأبي ولكنك قتلت بعمك الفاكه بن المغيرة.
أنظر رعاك الله: إن خالداً لم ينكر قتله للقوم وهم مسلمون بل اعترف بأنه قتلهم بعوف والد عبد الرحمان فهل يحق في دين الله أن يقتل قوم برجل واحد وهل يجوز قتل المسلمين برجل كافر.
الشيخ الكلابي