المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تفاعل الفكرألأسلامي لدى السيد محمد باقر الصدر


عوفي البديري
14-08-2008, 06:30 AM
أن التحليل الذي تناول الفكر الاسلامي في تفاعل عناصره الفقهية والكلامية والفلسفية قد بدأ مع السيد جمال الدين الأفغاني، إلاّ أنه أخذ طابعهُ الأعمق عند الشهيد السيد محمد باقر الصدر الذي صاغ الفكر الاجتماعي ـ السياسي الاسلامي بصيغة تربط الجانب الغيبي العبادي بالجانب الفلسفي والعلمي من خلال تأكيده على ما يتضمنه الإسلام من مفاهيم عن الكون والحياة وحركة التاريخ ونهضة الحضارات وسقوطها.


هذا الموقف ليس عنصراً جديداً ومستحدثاً، بل هو موقف نابع من عمق الإسلام فالارشادات المنهجية الموجودة في القرآن الكريم تفسح المجال للنظرة الشمولية وللتحليل العلمي وتتناقض مع تقديم الدين في صورة ضبابية تحكمها القداسة من دون أن تفتح الباب للنظرة العقلانية.


فالشهيد باعتماده على الارشادات المنهجية القرآنية غير الطرح الذي وُضع فيه الدين من قبل الفكر الغربي والفكر المحدث في العالم الاسلامي. ففتح الباب واسعاً من الناحية المعرفية والمنهجية لصياغة فكر إجتماعي ـ سياسي اسلامي. انّه صاغ الفكر الاجتماعي ـ السياسي خارج اشكالية طرح الواقع من خلال المفهوم وطرح المفهوم من خلال الواقع. فالفكر الاجتماعي ـ السياسي كما صاغه الشهيد تم ضمن اشكالية العلاقة بين العقل والنص والواقع. وهو طرح يخلق جواً جديداً لاستنباط القرآن الكريم والسنة الشريفة في كل جوانب الحياة الاجتماعية.


ان منهج التعال مع النص أثناء محاولة تنظير الفكر الاجتماعي ـ السياسي الاسلامي يشكل مصدراً لابتغاء الرشد. ويعتبر منهج التعامل مع النص العامل الأساسي والمصيري البديل الذي يتأسس عليه صرح المعرفة في العلوم الاجتماعية. والمشكل المطروح هنا هو كيف يمكن للفكر الاسلامي المعاصر ان يدرك المكنونات القرآنية في مضمار الفكر الاجتماعي والسياسي؟ فالقرآن الكريم بالنسبة للشهيد، لا يقف عند حد الدعوة إلى مجتمع تسوده العدالة والقيم الأخلاقية، ولكنه قدم الاطار الذي يتم فيه تحول المجتمع.


فالقرآن الكريم منذ بداية النزول في المرحلة المكية تفاعل مع الواقع ومع الحياة في كل جوانبها وعمل على تغيير الواقع في ضوء متطلبات القيم والمفاهيم الربانية، وعليه يرى الشهيد أن التعامل مع القرآن الكريم من خلال دمج القضايا المطروحة على الأمة في اطارها الاجتماعي والحضاري سيفتح آفاقاً جديدة لعملية تنظير فكر إجتماعي ـ سياسي اسلامي. وهذا النموذج في التعامل مع القرآن الكريم من منطلق شمولي نجده في التفسير الموضوعي للشهيد السيد محمد باقر الصدر:


«لماذا كانت الطريقة التجزيئية عاملاً في اعاقة النمو؟ ولماذا تكون الطريقة الموضوعية والاتجاه التوحيدي عاملاً في النمو والابداع وتوسيع نطاق حركة الاجتهاد؟...


ان المفسر التجزيئي دوره في التفسير على الأغلب سلبي. فهو يبدأ أولاً بتناول النص القرآني المحدد مثلاً أو مقطعاً قرآنياً دون أي افتراضات أو أطروحات مسبقة ويحاول أن يحدد المدلول القرآني على ضوء ما يسعفه به اللفظ... العملية في طابعها العام عملية تفسير نص معين وكأن دور النص فيها دور المتحدث ودور المفسر هو دور الاصغاء والتفهم وهذا ما نسميه بالدور السلبي. المفسر هنا شغله أن يستمع لكن بذهن مضيء بفكر صاف، بروح محيطة بآداب اللغة وأساليبها... وبمثل هذا الفكر يجلس بين يدي القرآن ليستمع. فهو ذو دور سلبي والقرآن ذو دور ايجابي. والقرآن يعطي حينئذ وبقدر ما يفهم هذا المفسر من مدلول اللفظ يسجل في تفسيره.


وخلافاً لذلك، المفسر التوحيدي والموضوعي فانه لا يبدأ عمله من النص بل من واقع الحياة. يركز نظره على موضوع من موضوعات الحياة العقائدية أو الاجتماعية أو الكونية ويستوعب ما أثارته تجارب الفكر الإنساني حول ذلك الموضوع من مشاكل وما قدمه الفكر الإنساني من حلول، وما طرحه التطبيق التاريخي من أسئلة ومن نقاط فراغ، ثمّ يأخذ النص القرآني لا يتخذ من نفسه بالنسبة إلى النص دور المستمع والمسجل فحسب، بل يطرح بين يدي النص موضوعاً جاهزاً مشرباً بعدد كبير من الأفكار والمواقف البشرية ويبدأ مع النص القرآني حواراً سؤال وجواب... لا يجلس (أي المفسر) ساكتاً ليستمع فقط بل يجلس محاوراً... وهو يستهدف من ذلك أن يكتشف موقف القرآن الكريم من الموضوع المطروح والنظرية التي بامكانه أن يستلهمها من النص، من خلال مقارنة هذا النص بما استوعبه الباحث عن الموضوع واتجاهاته.


ومن هنا كانت نتائج التفسير الموضوعي نتائج مرتبطة دائماً بتيار التجربة البشرية لأنها تمثل المعالم والاتجاهات القرآنية لتحديد النظرة الإسلامية بشأن موضوع من مواضيع الحياة...


اذن فهنا يلتحم القرآن مع الواقع، يلتحم القرآن مع الحياة، لأن التفسير يبدأ مع الواقع وينتهي إلى القرآن. لا أنه يبدأ من القرآن وينتهي بالقرآن فتكون عملية منعزلة عن الواقع منفصلة عن تراث التجربة البشرية، بل هذه العملية تبدأ من الواقع وتنتهي بالقرآن بوصفه القيم والمصدر الذي يحدد على ضوئه الاتجاهات الربانية بالنسبة إلى ذلك الواقع. ومن هنا تبقى للقرآن حينئذ قدرته على القيمومة دائماً، قدرته على العطاء المستجد دائماً، قدرته على الابداع لأن المسأله هنا ليست مسالة تفسير لفظ، فان طاقات التفسير اللغوى ليست طاقات لا متناهية، بينما القرآن الكريم دلت اروايات على أنه لا ينفد وصرح القرآن الكريـم بـأن كلمات الله لا تنفد»(1).


ان منهج التعامل هذا ضرورة شرعية وعلمية وواقعية، لأن اعادة بناء الأمة الإسلامية عملية تقتضي التبصر في الأحداث من منظور تفاعل وتداخل عوامل انتاج هذه الأحداث. وهنا ينبغي التمييز بين المنهج التلفيقي الانتقائي في التعامل مع النص. وهو ذلك المنهج الذي يُخضع القرآن الكريم للواقع ولمفاهيم الفكر الغربي، وبين المنهج المبني على منطلق شمولي وتعبدي في علاقته مع النص: ينطلق من الواقع إلى النص ومن النص إلى الواقع كما أشار الشهيد السيد محمد باقر الصدر في النص السابق.


وقد أبعد هذا الطرح فكر الشهيد عن الانبهار بالحضارة الغربية وبالمفاهيم التي تتضمنها سائر مذاهبها الاجتماعية والسياسية. فالفكر الاجتماعي ـ السياسي عند الشهيد لم يتم على حساب المفاهيم الإسلامية بل نبع منها وتشكل بفضلها.